الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

369

تفسير روح البيان

جوهرهم كما قال الامام الغزالي رحمه اللّه في المنقذ من الضلال ان الصوفية يشاهدون الملائكة في يقظتهم اى لحصول طهارة نفوسهم وتزكية قلوبهم وقطعهم العلائق وحسمهم مواد أسباب الدنيا من الجاه والمال وإقبالهم على اللّه بالكلية علما دائما وعملا مستمرا واما غيرهم فلا يراهم الا في عالم المثال أو في النشأة الآخرة كما لا يخفى وَالَّذِينَ هم الكفار يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ المأخوذ عليهم بالطاعة والايمان مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ اى من بعد توكيد ذلك العهد بالإقرار والقبول وهو العهد الذي جرى بينهم إذ أخرجهم من ظهر آدم وعاهدهم على التوحيد والعبودية كقوله أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ الآية فالعهد عهد ان عهد على المحبة وهو للخواص وعهد على العبودية وهو للعوام فأهل عهد المحبة ما نقضوا عهودهم ابدا وأهل عهد العبودية من كان عهدهم مؤكدا بعهد المحبة ما نقضوه ومن لم يكن عهدهم مؤكدا نقضوه وعبدوا غيره وأشركوا به الأشياء واحبوها للهوى واعلم أن هذا العهد يتذكره أهل اليقظة الكاملة المنسلخون عن كل لباس وغاشية كما قال ذو النون المصري وقد سئل عن سر ميثاق ألست بربكم هل تذكره فقال نعم كأنه الآن في اذني وكما قال بعضهم مستقربا اى عادّا لعهد ألست قريبا كأنه بالأمس كان ولذا ما نسوه واما غيرهم وهم أهل الحجاب فاستبعدوه ولم يذكروا منه شيأ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ سبق إعرابه اى يقطعون الأرحام وموالاة المؤمنين وما بين الأنبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق حيث آمنوا ببعضهم وكفروا ببعضهم وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالدعاء إلى عبادة غير اللّه تعالى وبالظلم وتهييج الحروب والفتن وفي الحديث ( الفتنة نائمة لعن اللّه من أيقظها ) وهي إيقاع الناس في الاضطراب والاختلال والاختلاف والمحنة والبلية بلا فائدة دينية وذلك حرام لأنه فساد في الأرض وإضرار المسلمين وزيغ والحاد في الدين : قال السعدي قدس سره زان همنشين تا توانى گريز * كه مر فتنهء خفته را گفت خيز فمن الفتنة ان يغرى الناس على البغي والخروج على السلطان وذلك لا يجوز وان كان ظالما لكونه فتنة وفسادا في الأرض وكذا معاونة المظلومين إذا أرادوا الخروج عليه وكذا المعاونة له لكونه إعانة على الظلم وذلك لا يجوز . ومنها ان يقول للناس ما لا تصل عقولهم اليه وفي الحديث ( أمرنا ان نكلم الناس على قدر عقولهم ) . ومنها ان يذكر للناس ما لا يعرفه بكنهه ولا يقدر على استخراجه فيوقعهم في الاختلاف والاختلال والفتنة والبلية كما هو شأن بعض الوعاظ في زماننا . ومنها ان يحكم أو يفتى بقول مهجور أو ضعيف أو قوى يعلم أن الناس لا يعلمون به بل ينكرونه أو يتركون بسببه طاعة أخرى كمن يقول لأهل القرى والبوادي والعجائز والعبيد والإماء لا تجوز الصلاة بدون التجويد وهم لا يقدرون على التجويد فيتركون الصلاة رأسا وهي جائزة عند البعض وان كان ضعيفا فالعمل به واجب وكمن يقول للناس لا يجوز البيع والشراء والاستقراض بالدار هم والدنانير الا بالوزن لان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نص عليها بالوزن فهو وزنى ابدا وان ترك الناس فيه الوزن فهذا القول قوى في نفسه وهو قول الإمام أبى حنيفة ومحمد مطلقا وقول أبى يوسف في غير ظاهر الرواية وهي خروجها عن الوزنية بتعامل الناس إلى العددية فهذه الرواية